لا يهم، أنا أيضًا ظننت يومًا ما أن علي الحب أن يكون عاصفة وحربًا ومعارك مشهدية. أنه علينا أن نصارع في الحب ونعيش الكثير من الدراما والعديد من المشاعر في الوقت نفسه. أنه علينا أن ننصهر في ذات من نحب، فنصبح واحدًا، وأن نكون له ما يحب ويصبح الحب هو مبلغنا الاخير منه. أن يكون كل شيء صعب المنال فيكون اكتسابه فسحة بعد تعب. أن علي الحب أن يكون ضخمًا ومبعثرًا يملأ جميع الأركان ويلون كل الزوايا. أن الحب حقًا يجعل الدنيا زهرية وممكنة مهما استحالت.

ثم، اكتشفت، أن هذه النسخة من الحب قد تكون أكثر رواجًا بالفعل، براقة ومبهرة وصاخبة، تجمع حولها جمهورًا لم يقابل الحب حقيقة وجهًا لوجه من قبل. اكتشفت بعد عامين أن الحب ليس حربًا علي الإطلاق بل هو سلام وسكينة، تساعدك علي تجنب أي حروب ليس لها معنى، ويجهزك لأي حروب مفاجئة، أن في الحب حقًا تكون نفسك أكثر ما تكون، وأكبر ما تكون وأفضل ما تكون، من دون الحاجة لأن تطعم ذاتًا أخرى أو تضحي بذاتك ونفسك من أجل الآخر.

أن الحب حقيقة ليس صاخبًا ولا عاليًا ولا صعب المنال، هو بسيط وهادئ ومرتاح. أنه ليس عليه أن يملأ الحياة بل يهدئ من سرعتها ويخفف من وطأتها، أنه ليس زهريًا بل حقيقيًا كما هو لا مجال فيه للتجمل، ولا شروط فيه للقبول، ولا مكان فيه للقبول بالرغم من، بل قبولًا لكل لأن. وأن الحب لا يقهر أي شيء بل نحن من ننتصر (أو ننهزم) علي التحديات الشخصية للغاية وان تقاطعت مع قصة حب. أن الحب ليس مبلغًا ولا غاية بل هو الأغنية التي ننشدها في الرحلة فتخفف عنّا عناء الحمل والطريق. أن ليس علينا السعي خلف قبول رفيق الرحلة، فالرفيق السوء ليس فقط من يطالبك بحمل أحماله، إنما أيضًا من يشعرك مع ذلك أنك لا تستحق صحبته، لأنك بالطبع لا تستطيع السير بحمل مضاعف كما يهرول هو بحمل خفيف. ففي الحب حقًا ليس عليك إثبات أحقيتك طالما بدأت الرحلة بالفعل، وطالما ساعد كل منكما الآخر علي أحماله.

بالطبع نميل إلى النهايات السعيدة، ولكن النهايات السعيدة ليست سعيدة إن كانت تنهى آخر رمق لأحد الأبطال لحساب الآخر.

كنت أظن أيضًا علي البدايات أن تكون أسطورية، لكنني اكتشفت ان يمكن لها أن تكون ببساطة وجبة عشاء بمطعم صيني لا يُنصح بتكرارها. كنت أظن أن مبلغ الحب أن نبتلع كل ما يلقيه علينا الآخر، واكتشفت ان مبلغ الحب حقًا ألا نضطر لابتلاع أي شيء من الأساس، لأنه ليس هناك شيئًا يحتاج أن نبلعه.

كنت أظن أن الحب صدفة وقدر، فعليّ أن أقبل أي نسخة من الحب يلقيها القدر علي طاولتي، مهما كانت مُرّة أو باردة، لكنني اكتشفت أنني يمكنني المغادرة والبحث عن حب دافئ لا يترك مرارة في حلقي كل مرة أتذكره.

كنت أظن أن الحب يحتاج لأن نبذل أقصى جهودنا من أجل الرضا، لكنني اكتشفت أن الرضا مشترك غير قابل للقسمة.

كنت أظن أن علي الحب أن يكون دراميًا مفعمًا بالأحداث و”الأكشن”، لكنني اكتشفت الحب سكونًا وراحة وطمأنينة وسرعة في النوم، أحداثه بسيطة، كوجبة يطبخها لي أو حلوى نجربها سويًا.

كنت أظن أنه في الحب علينا أن نعطي فقط ولا نطلب، وأن قمة الحب هو العطاء المطلق، لكنني اكتشفت أن العطاء المطلق المتبع بمكافأة هو عين الاستغلال والتدمير مهما سمّيناه تضحية أو محبة.

كنت أظن أن علي الحب أن يكون بلا مسميات، ولا إشارات. لكن التجربة علمتني أن الحب التزام. وأول ما نضحي به في الحب هو كل الفرص الضائعة، لأننا نختار أن يجتمع الحظ كله في قصة واحدة في هذه اللحظة. وتعلمت أن جميع شعارات الحب بلا علامات أو مسميات هي من اختلاق كل شخص لا يحتمل أن يختار قدره.

كنت أظن أن الحب قصة وحيدة علينا أن نفرك أتربة الحظ كي نتعثر في خيوطها يومًا ما. لكنني اكتشفت أن الحب علاقة قبل كل شيء قد يقوله الناس عنه، أنه طرفي ميزان يجب أن يبدأ وينتهي متوازنًا. إن بدأ مختلًا، استمر كذلك. وان بدأ متزنًا وزن كل شيء.

كنت أظن أن الحب قيمة مطلقة، لكني اكتشفت أنه مجموعة من الهرمونات والتفاعلات والاسقاطات وألعاب للذاكرة وبعض العادات، فتعلمت أنه يمكن أن “نقع” في حب أي شخص إن توافرت الفرصة، لكننا يمكننا أن نقرر ونختار شخصًا بعينه من بين كل الاحتمالات، لأن الحب كعلاقة، هو قرار نتخذه، ليس حفرة نقع بها.

كنت أظن أيضًا أن بهذه الصورة قد يكون الحب جامدًا محسوبًا مسطّرًا ومحددًا. لكن اكتشفت ان يمكن للحب الذي يحترم حقوقي أن يكون أرضًا خصبة يمكن للمشاعر بكل سخائها وكرمها أن تنمو وتتشابك فتصبح أقوى كل يوم.

كنت أظن أن حبيبًا حقيقيًا هو من يتبع كل حرف بتشكيل ويعيش مهووسًا بكُتّاب لمجرد أن كلامهم يبدو كبيرًا، يستخدم أبيات الشعر وألفاظ الشعراء كي يعبر عن مشاعره. لكنني اكتشفت ان كل ذلك استعارة لحليات وأدوات يمكن ألا يكون لها أصل للشعور داخله، سوي سعادته بنفسه وتحققه من خلال قصة حب. واكتشفت أن الحب ليس عليه أن يكون منمّقًا ولا مكتوبًا بحرفية، قد يعبر دفترًا فارغًا عن كل شيء.

كنت أظن أنه علي الحب أن يكون قصة تستحق الرواية، لكنني عرفت أن الحب عليه أن يكون حياة تستحق بجدارة أن نعيشها.

‎تعليقات الفيسبوك

‎أضف تعليق