تصوير: مانكي كيم

منذ أول أمس وانتشرت على مواقع فيسبوك وتويتر وقنوات الإعلام المختلفة بهاشتاج #metoo #وأنا_أيضًا تشارك فيه النساء من جميع أنحاء العالم قصصهن مع التحرش ويظهرن فيه المساندة الجمعية لبعضهن البعض، كما شارك الرجال بآرائهم ومساندتهم للناجيات. ولكن ليس جميع الرجال رافضين لمشكلة التحرش الجنسي، فالأكيد أن بينهم متحرشون وإلا لما انتشر هاشتاج “وأنا أيضًا”. فماذا يدور في عقل المتحرش؟ لماذا وكيف يأخذ القرار بالتحرش الجنسي بامرأة غريبة عنه؟

قبل الاستمرار يجب أن نقف على تعريف التحرش الجنسي كي يتسنى لنا الاستمرار بفهم دقيق للمصطلح.

التحرش الجنسي: هو أي انتهاك للمساحة الشخصية يمارس من طرف لآخر، بما يسبب ضرر مادي أو معنوي، بدون موافقة الطرف الآخر يحمل طابع جنسي، ويتضمن ذلك التحرش الجنسي اللفظي، وباللمس، والايحاءات والإشارات ووسائل الاتصال السلكية واللاسلكية.

والآن نجيب عن السؤال الذي بدأ به المقال، لماذا يتحرش المتحرش الجنسي؟ ومن هو المتحرش الجنسي؟
بداية، المتحرش الجنسي ليس له شكل مميز أو علامه مميزة، فيمكن أن يكون بأي حالة اجتماعية (خاطب، متزوج، أعزب)، أي فئة عمرية (طفل، شاب، مسن)، بأي مظهر خارجي (يرتدي عباءة أو يرتدي بدلة)، وبأي وظيفة أو بلا وظيفة، ولا يمكن تمييزه من مستوى إجتماعي أو مادي معين (إن كان غنيُا أو فقيرًا). بالتالي فمن الممكن أن يكون أي شخص.

إذًا فلماذا يتحرش “أي شخص”؟
صحيح أننا لا يمكننا تقسيم المتحرشين لأنواع حسب التصنيفات المتعارف عليها لكننا بعد إقصاء المبررات المعتادة للمتحرشين، على سبيل المثال وليس الحصر: “هي اللي عايزة كده” – “هي اللي لابسة ……” – “هي ماشية في الشارع دلوقتي ليه” – “لبسها استفزني” – “شكلها مش محترمه فتستاهل” ….إلخ؛ يمكننا أن نقسم المتحرشين عامة لأنواع، حسب الدافع للتحرش:

1- دافع السيطرة والتحكم
وهو الدافع الأكثر شيوعًا، ويرتبط بكون المتحرش يعاني من فقدانه للسيطرة على حياته بشكل ما، فيحتاج لأن يبسط سيطرته على من يراها (من وجهة نظره) ضعيفة. وهنا تعريف ضعيفة في عقلية هذا المتحرش للمفارقة قد يتطابق مع تعريف “محترمة” في ذهنه. فهي الفتاه التي (كما يراها) وديعة لن تقوم بسبه، أو بالرد عليه أو بمعاداته إن قام بالتحرش بها، ففي نظره هي الاكثر عرضة لأن تسكت عن حقها. ويجب هنا أن أنبه أن كونه يرى في ضحيته ضعفًا ما لا يعني بالضروره أنها حقًا ضعيفة.

2- السادي
وهذا النوع من المتحرشين يستمتع بالأذى عمومًا، وفي بيئة ومجتمع يمارس العنف بشكل يومي على المرأة خاصة مع قلة البلاغات الرسمية عن حوادث التحرش الجنسي، فالتحرش هو الشكل اليومي الأمثل لتحقيق رغباته وطموحاته. فالمتحرش السادي يستمتع بضغف وقلة حيلة ضحيته، ويستمتع بالخوف الذي يراه في عينيها.

3- الحاقد مجتمعيًا
هذا النوع من المتحرشين، ليس بالضرورة كما سيتبادر لذهنك أنه فقير، ليس بالضرورة. لكنه لديه حقد مجتمعي نابع من شعوره بأن ضحيته تأخذ فرصة كان هو أحق بها في نظره. فمن الممكن أن يتحرش بسيدة لمجرد أنها ترتدي ملابس غالية أو تركب سيارة فارهة. فهو لا يحقد عليها فقط لأنها سعيدة بحياتها ومنعمة، لكنه أيضًا يراها أخذت مكانه.

4- المقاوم للتحرش
نعم لقد قرأتها صحيحة، مقاوم للتحرش. هذا المتحرش بالتحديد مثير للضحك على غير باقي المتحرشين، فهو يرى أن من واجبه عقاب المرأة التي يراها “غير محترمة” أو تتصرف بشكل “غير لائق” من وجهة نظره. فهذا المتحرش يتحرش بالفتيات عقابًا لهن على ملابسهن أو على تصرفاتهن، فمن وجهة نظره، بالتحرش بهن سيقمن بالكف عن ارتداء ملابس معينة أو التصرف بطرق معينة (مخالفة لتعريفه عما ينبغي على المرأة ارتداؤه). وهذا المتحرش هو الذي على الأغلب قد يمتنع وقد يدافع أحيانًا عن الضحية التي تلائم تصوراته عن المرأة المحترمة المحتشمة التي لا يعلو صوتها، حتى وإن كان دفاعًا عن حقها في شارع آمن وجسد لا تلمسه يد غريبة.

هذا المتحرش قد تكون له أي خلفيات دينية أو أخلاقية، وعادة ما يتميز بازدواجية في المعايير ويمارس التحكم على النساء المقربات منه، كي يحظوا برضاه عن شكل ملابسهن وسلوكياتهن وأخلاقهن بشكل عام.

5- المستكشف
هذا النوع يظن أن التحرش هو وسيلته لإقامة علاقة مع الجنس الآخر، وذلك يحدث نتيجة للعزل المشدد بين النساء والرجال في المجتمع أو على الأقل في محيطه ونتيجة لجهله. إضافة إلى ذلك أي معرفة مغلوطة قد تصله عن الإناث بوجه عام قد يكون قد عرف عنها من مواد إباحية أو أفلام سينمائية تروج للتحرش، بالتالي فهو يتوقع من ضحيته أن تستجيب تمامًا كما يرى النساء تستجيب في الفيلم الإباحي، نظرًا لأن ذلك هو مفهومه عن شكل العلاقة من الأساس.

6- المتفوق على المجموعة
هذا المتحرش يتخذ من التحرش فعل قيادي للمجموعة التي ينتمي لها، مثل أصدقاءه. فتفوقه عليهم بفعل مثل التحرش قد يكسبه غرورًا ما أو شعورًا بالفوقية والأفضلية والقيادية عليهم.

7- المنتمي للمجموعة
هذا المتحرش مختلف عن المتحرش المتفوق على المجموعة، فالمتفوق على المجموعة، يتخذ من التحرش أداة للتفوق، لكن المنتمي للمجموعة يأخذ من التحرش أداة للانتماء للمجموعة من الاساس. فإن كان كل أصدقائه يتحرشون جنسيًا بالفتيات والنساء، ليندمج معهم ولا يتم وصمه بأي شيء غير “رجولي/ذكوري” يجب أن يواكب أفعالهم ليتم قبوله في المجموعة. ومن هذه المجموعات على الأغلب تخرج التحرشات والاغتصابات الجنسية الجماعية.

وجب أن أوضح هنا أن الدوافع ليست فردانية، فكل متحرش لديه على الأغلب أكثر من دافع للتحرش، وهذه الدوافع ليست مبررًا أبدًا للتحرش، فالتحرش الجنسي يقع قانونيًا وحقوقيًا تحت السلوك الانحرافي الذي يعاقب عليه القانون، ليس مرضًا ولا سلوكًا قهريًا يقدم عليه المتحرش، بل هو قرار أخذه المتحرش بوعي كامل على اختلاف دوافعه.

ولتوضيح ذلك علينا توضيح كيف يقوم الانسان بأخذ أي قرار من أي نوع:
ليأخذ الشخص أي قرار من أي نوع، عليه أن يمر بثلاثة مراحل: المؤثرات، الإدراك والمعالجة، ثم القرار

المرحلة الأولى: المؤثرات:
وهي استقبال أي معلومات أو مشاهد أو معلومات عن طريق الحواس. مثال: يرى شخص ما إمرأة في الشارع ترتدي زي معيّن.

المرحلة الثانية: الإدراك والمعالجة:
وهي كيفية تقييم الموقف والتفكير فيه وتكوين رأي، وهي مرحلة تعتمد على التربية والبيئة والمجتمع. فإن تربى شخص على أن الأنثى هي أداة جنسية سيرى ويدرك أن الأنثى هي أداة جنسية. مثال: الشخص يفكر ويحكم في عقله وباله أن المرأة التي رآها ليست محترمة. وهنا الحكم لم ينتقل بعد لمرحلة القرار، ومن حق أي شخص التفكير في أي شيء وتقييم أي شيء وأي شخص مادام كان ذلك لا يتحول لأي فعل من أي نوع.

المرحلة الثالثة: الفعل:
وهنا يأخذ الشخص القرار بأن يتحرش أو لا يتحرش، وذلك يتم في عملية معقدة، فالأمر ليس بسيطًا، فيجب أن يكون القرار اقتصادي:
– هل أقدر على هذا الفعل؟
– هل الظروف المحيطة وموقعي من الضحية يمكنني من التحرش بها بأي شكل؟ هل أستطيع لمسها/ توجيه الكلام إليها/ الإشارة إليها؟
– هل سيعود علي هذا الفعل بأي نفع؟
– وهنا يكون النفع مرتبط بدافع أو أكثر من السبعة دوافع المذكورة سابقًا
– هل هناك عواقب؟
– إن كان ليس هناك أي عواقب، فبالتأكيد سيتم تنفيذ قراره بالتحرش.

وهنا يمكننا أن نستنتج أن الردع والعواقب بما فيها البلاغات الرسمية والمقاومة الجسدية واللفظية للمتحرش، هي الشيء الوحيد الذي يمكن أن يوقف عملية القرار، على عكس التوعية والمعرفة التي تقوم بتغيير مرحلة المعالجة.

 


هذا المقال مدعم من StreetPal، تطبيق ذكي يساعد النساء في حالة التعرض للتحرش الجنسي عن طريق:

  • شات نصي: يوجه خطوة بخطوة في أي موقف بسيناريوهات مختلفة ماذا يمكن فعله في حالة التعرض للتحرش الجنسي سواء قبل أو أثناء أو بعد انتهاء الحادث.
  • تنبيه شخص ثقة: إمكانية إخطار شخص ثقة (من الأهل أو الأصدقاء) تصله رسالة نصية قصيرة SMS وإيميل (مرفق به إحداثيات مكان المستخدمة) في حالة التعرض للخطر، وتطمينه بنفس الطريقة في حالة زوال الخطر.
  • خريطة: توجههن لأقرب قسم شرطة (في حالة اختيار الإجراء القانوني) أو مستشفى (في حالة الحاجة للمتابعة الطبية).
  • تسجيل صوتي: في حالة الحاجة إليه يسجل ما يحدث منذ لحظة التوجة إلى القسم أو المستشفى.
  • دليل للدعم: بالمؤسسات وجهات الدعم القانوني والنفسي التي تقدم خدماتها المجانية في حالات التحرش الجنسي
  • دليل توعية: بما هو التحرش الجنسي ونص القانون عنه وبعض الأرقام والإحصاءات الخاصة بالقضية عامة للتوعية الشخصية ولمشاركتها مع الآخرين.

حمل التطبيق من هنا